كتبت الدكتورة علياء إبراهيم

في خضم الحياة المتسارعة، حيث تتداخل الأصوات والوجوه، يكمن عالم خفي ينبض بالحياة، رغم صمته؛ إنه عالم التوحد، الذي يستدعي منا نظرة مختلفة، ومزيداً من التعاطف، وفهم قوانينه الخاصة. هنا، الكلمات قد تكون مشوشة أو غائبة، والعناق قد يثقل على القلب، والضوء والصوت يتحولان إلى تحديات عظيمة الأثر. الأطفال المصابون بالتوحد يعيشون بيننا، لا يفصلهم عنّا جدار مادي، بل حاجز من الفهم، حيث لا يكون التواصل البصري متاحاً دائماً. وهذا يستدعي أن نمنحهم الحب والصبر والوعي، لنعينهم على تجاوز هذا التحدي بقلوب مفتوحة.
في عالم يزداد تعقيداً وتداخلًا، يواجه الأطفال المصابون بالتوحد تحديات يومية، قد لا نلاحظها وسط تسارع الحياة من حولنا. إن التوحد، الذي صنفته منظمة الصحة العالمية كاضطراب سلوكي نمائي يؤثر في القدرات الاجتماعية والتواصلية للطفل، يفرض علينا فهماً أعمق لهذه الفئة، ومنذ العام 2007، حين أعلنت الأمم المتحدة يوم 2 أبريل يوماً عالمياً للتوعية بالتوحد، تركز المؤسسات المعنية على رفع الوعي حول هذا الاضطراب الذي يلامس حياة ملايين الأطفال حول العالم. يهدف هذا اليوم إلى تعزيز الإدراك المجتمعي، وتقديم الدعم للأفراد المصابين بالتوحد، الذين يواجهون تحديات عدة عظيمة هم وأسرهم. يأتي هذا اليوم ليذكّرنا بأهمية تبنّي ثقافة تحتضن الاختلاف، وتسليط الضوء على الصعوبات اليومية التي يواجهها المصابون بالتوحد وأسرهم. وعلى الرغم من التقدم في الأبحاث، لا يزال التوحد يمثل تحدياً، لعدم وجود علاج نهائي له، لكن التدخل المبكر والبرامج التأهيلية تسهم في تحسين جودة حياة المصابين.
وقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات تشخيص التوحد، ويعزى ذلك إلى تطور أدوات التشخيص وزيادة الوعي العالمي. تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 1% من الأطفال مصابون بالتوحد، وهو رقم يدعونا إلى التفكير في دور المجتمع في دعم هؤلاء الأطفال. كما أن التشخيص المبكر، بفضل التقدم العلمي والتكنولوجي، يمكن أن يحسّن جودة حياة الأطفال المصابين ويسهم في دمجهم بشكل أفضل.
ويظهر العديد من الأطفال المصابين بالتوحد إبداعاً مميزاً ومواهب عظيمة، خاصة إذا تم اكتشافها مبكراً ودعمها ببرامج تعليمية وتنموية مناسبة. يبرع بعضهم في مجالات الفن؛ مثل الرسم أو التمثيل أو الحرف اليدوية، بينما يحقق آخرون إنجازات ملحوظة في الرياضة، حيث تسهم في تحسين التفاعل الاجتماعي وتعزيز المهارات الحركية.
يعدّ دمج الأطفال المصابين بالتوحد في المدارس أحد أكبر التحديات؛ إذ قد لا تكون الأساليب التعليمية التقليدية كافية. تبرز التكنولوجيا كأداة مهمة لدعم هؤلاء الأطفال، حيث يمكنها تكييف المناهج الدراسية لتناسب احتياجاتهم، وتوفير وسائل تواصل مبتكرة، مثل التطبيقات التي تساعدهم على التعبير عن أنفسهم حتى لو كانوا غير قادرين على استخدام اللغة اللفظية.
فتح الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي آفاقاً جديدة لتحسين حياة المصابين بالتوحد، إذ تساعد تقنيات الواقع الافتراضي على تهيئتهم للتفاعل الاجتماعي في بيئات آمنة، بينما يقدم الذكاء الاصطناعي استراتيجيات تعلّم مخصصة تعزز من فعالية العلاج والتفاعل. لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، بل يجب أن تترافق مع استراتيجيات شاملة، تشمل تدريب المعلمين على التعامل مع الأطفال المصابين بالتوحد، وتوعية الطلاب الآخرين ليكونوا أكثر تفهماً وتعاوناً. كما ينبغي أن تصاحب هذه التوعية قوانين تجرّم التنمر الذي يتعرض له ذوو الهمم بشكل عام، وأطفال التوحد بشكل خاص.
ومن الضروري وجود مراكز متخصصة لتأهيل هؤلاء الأطفال تخضع لرقابة صارمة، خاصة في ظل انتشار مراكز غير متخصصة، تستنزف موارد الأسر دون نتائج ملموسة. في المقابل، هناك مراكز تقدم برامج علاجية فعالة، لكنها غالباً ما تكون مرتفعة التكلفة، ما يجعل دعم المجتمع والأسرة أمراً حيوياً.
تلعب الأسر دوراً محورياً في تحسين حياة الأطفال المصابين بالتوحد، لذا يجب توجيه الدعم لها، وتدريبها على أساليب التفاعل مع أطفالها، فضلًا عن توعية الأشقاء حول كيفية فهم احتياجات أخيهم المصاب بالتوحد ودعمه في حياته اليومية. هنا تبرز أهمية القصص كأداة تعليمية مؤثرة، خاصة للصغار، حيث يمكنها بناء وعي تراكمي منذ الطفولة.
تلعب وسائل الإعلام، من خلال الأعمال الدرامية والبرامج التوعوية، دوراً كبيراً في تغيير التصورات السائدة عن التوحد وتقليل العوائق الاجتماعية. وقد أسهمت الدراما المصرية في تشكيل وعي المجتمع بالتوحد، مثل مسلسل “حلم حياتي” للكاتب يوسف وجيه، الذي قدم نموذجاً ملهماً لطفلة مصابة بالتوحد تحلم بأن تصبح ممثلة، ومسلسل “حالة خاصة” للكاتب مهاب طارق، الذي عرض شخصية شاب مصاب بالتوحد يسعى لأن يصبح محامياً، مقدماً صورة غير نمطية تعكس قدراته وطموحاته. إن إدراك المجتمع أن التوحد ليس عجزاً، بل اختلاف يحتاج إلى تقنيات وأساليب خاصة، يسهم في تسهيل حياة الأطفال المصابين وعائلاتهم. كل طفل مصاب بالتوحد يمكنه تحقيق إنجازات بطريقته الخاصة إذا أتيحت له الأدوات والفرص المناسبة. التوحد ليس مجرد تشخيص طبي، بل هو جزء من التنوع البشري. فلنكن جميعاً جزءًا من الحل. قد لا يكون الأمر سهلًا، لكن بالتزامنا كأفراد ومجتمعات، يمكننا بناء عالم أكثر تفهّماً واحتراماً، يعترف بالتحديات التي يواجهها الأطفال المصابون بالتوحد، ويمنحهم الفرصة ليقولوا: “نحن هنا، ونحتاج فقط من يفهمنا”.
#انتهى #