كتب الدكتورة علياء إبراهيم

أحيانًا، تكفي جملة واحدة لتحرك في القلب ذكريات وتجارب عشناها بكل تفاصيلها. وبينما كنت أتابع كلمات سيادة الرئيس في احتفالية تكريم الأمهات المثاليات والمرأة المصرية، استوقفتني عبارة قالها بصدق واهتمام، لامست شيئًا عميقًا في نفسي، كأنها موجّهة لي ولكل من عاش هذا الألم: “الزهايمر يحتاج رعاية خاصة”.
كم بدت هذه الكلمات كأنها تُقال لي وحدي… أو لمن يشبهونني ممن ساروا في هذا الدرب الشائك والمليء بالتحديات مع مريض بالزهايمر. عادت بي كلمات الرئيس إلى بدايات الحكاية، إلى تلك اللحظة التي بدأ فيها أبي يتعثر في نطق الحروف الأولى من اسمي، كأن لسانه يخذله فجأة، يبحث عن ملامحنا في وجوه صارت غريبة عليه، حتى وجه أمي، رفيقة دربه، لم يعد يتعرف إليه بسهولة. يتعثر في أركان البيت، بيتنا الذي كان يعرف تفاصيله ككف يده، وكأنه لم يعش فيه أكثر من نصف قرن.
كنا أسرته، أسرى لهذا المرض، لا نحن بقينا أبناءً، ولا هو بقي الأب الذي نعرفه. شيء جذري في علاقتنا تحوّل… لم نعد الأبناء، وأصبح هو الطفل الكبير الذي نخشى عليه ونحبه بعمق. فالرعب الذي يعيشه الأبناء ليس فقط في رؤية من يحبون تتهاوى ذاكرتهم، بل في الرقابة التي تلتصق بهم حين يصبح المريض طفلًا كبيرًا: لا تتركه وحده، تنتبه للغاز، تغلق الباب بالمفتاح، تراقب الدواء، وتبحث عنه لو غاب لدقائق.
عادت إلى ذاكرتي كل تلك التفاصيل الصغيرة التي يعرفها فقط من جرّبها. تذكرت الخوف الذي انتابني حين نظرت في عيني أبي ذات ليلة ولم أجدني في عينيه، بل وجدت نظرة باهتة لا تعرفني. ما زال عالقًا في ذهني كيف يبدو الغياب حين يسكن من هو حاضر بيننا بجسده، غائب بروحه. أبي، الذي كان بالأمس يعلّمني الحروف، بدأ يتعثّر في اسمي، ويمحو الوجوه من ذاكرته. وكنت أرضى بشبح ابتسامة وأنا أذكره باسمي.
لم يكن الزهايمر مجرد مرض، بل كان كابوسًا يوميًا، رحلة صامتة وقاسية يغادر فيها الأحبة دون وداع، ونحن من نقف في محطات انتظار لا يصلون إليها أبدًا ونحن فقط… عاجزون.
رحل أبي، وأنا أمني نفسي بجملة الطبيب: “ذاكرة القلب لا تموت.” ولكن رغم أن ملامحه نسيتني، إلا أن قلبه النقي كان لا يزال يشعر بي، بتلك الابتسامة التي تخبرني أنني ما زلت ابنته وما زال أبي، رحل ونحن ندعو لأمي أن يجازيها الله عنا كل الخير، فرعاية مريض الزهايمر معاناة تُثقل كاهل من كان في مثل عمرها.
تتسارع الذكريات، وفي قلبي أمنيات أن يكون هناك توجه من الدولة لرعاية مرضى الزهايمر ودعم أسرهم، فقد شعرت أن صوت أبي، وصوت آلاف المرضى، لم يعد هامسًا مكتومًا بين جدران البيوت، فهؤلاء ليسوا فقط ضحايا النسيان، بل عائلاتهم أيضًا تمضي في رحلة قاسية. فالجمعية الأمريكية لمرضى الزهايمر تؤكد أن الأسر التي تقدم الرعاية لهؤلاء المرضى تعاني من معدلات مرتفعة من القلق والاكتئاب، وأن نسبة كبيرة من مقدمي الرعاية يتعرضون لما يُعرف بـ “إجهاد الرعاية المزمن”.
فالعلم نفسه بدأ يسلط الضوء على هذا الوجع، فبحسب منظمة الصحة العالمية، كان هناك أكثر من 55 مليون شخص مصاب بالخرف في عام 2019، ومعظمهم يعانون من الزهايمر. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 78 مليون بحلول عام 2030، وإلى 139 مليون بحلول عام 2050. أما في مصر، فتشير التقديرات إلى أن المرض يؤثر على نسبة كبيرة من كبار السن، خصوصًا مع تزايد معدلات الشيخوخة.
وتذكرت الدكتورة عبلة الكحلاوي، رحمها الله، ومشروعها الذي هو بصيص نور بدأ يضيء الدرب بعد رحيلها. فبين طيات مشروعها دعمًا للعيون التي لا تنام، فقد أدركت -رحمها الله- أن الزهايمر لا يسرق المريض وحده، بل ينهش أرواح من حوله، فالزهايمر اختبار لصبر أسرة المريض، والقدرة على الحب بلا شروط؛ فليس بالأمر الهين على النفس البشرية أن تحب من لا يذكرك، أن تجبر نفسك على الابتسام له رغم أنك لم تعد تعرف مكانك في ذاكرته؛ هذا هو قمة التجرد من الأنا، ودرس إلهي لم نكن لنفهمه لولا هذا الابتلاء.
إن كلمات الرئيس كانت اعترافًا ضمنيًا بأننا كأسر نحتاج أن نتكئ على جدار مجتمعي أقوى، وأن تصبح رعاية مرضى الزهايمر ضمن أولويات الصحة النفسية والمجتمعية، لا لأنهم فقط يفقدون ذاكرتهم، بل لأننا نحن أيضًا، نفقد جزءًا من ذواتنا ونحن نرافقهم في تلك الرحلة الطويلة. .
أتمنى أن تكون تلك هي البداية لمجتمع أكثر وعيًا، مجتمع يتحدث عن الزهايمر كـ “قضية إنسانية” على قدر كبير من الأهمية، ويضع رعاية مرضاه وأسرهم في صميم رؤيته لبناء إنسان جديد، لتتعلم الأجيال القادمة كيف تكون الرحمة أوسع من حدود الصبر.
عزيزي القارئ، إن كنت قد مررت بتجربة كهذه، فاعلم أنك لست وحدك، هناك قلوب كثيرة تخوض نفس الرحلة، وإن كنت لم تعشها، فامنح الذين حولك ممن يعانون كلمة طيبة، أو نظرة تفهم، فهذه الأسر تحتاج حضنًا أكبر من قدرتها الفردية، تحتاج رعاية لا تنتهي عند المريض فقط، بل عند من يسهرون على روحه التي هاجرت في صمت.
لعلّ اهتمام القيادة المصرية، ومشاريع الخير الممتدة، تكون بداية عهد جديد، وأن تكون جسرًا نحو مبادرات شاملة تدعم ليس فقط مريض الزهايمر، بل من يرافقه في رحلة الصبر والألم، حتى لا يظل هذا النسيان الموجع معركة فردية تُخاض في صمت، بل قضية مجتمعية تستحق الدعم والتكاتف.
“انتهت مقالي ولم تنتهي معاناتي “
دمتم سالمين قرائي الأعزاء شكرا