اعتدنا أن نتحدث عن الحق في التعلّم، وعن إتاحة المدارس، والمناهج، والفرص المتكافئة. لكن هناك سؤالاً أكثر إلحاحاً يجب أن نطرحه اليوم: كيف يمكن للتعليم أن ينجح إذا لم يشعر الطفل بالأمان؟

ليس الأمان هنا مفهوماً إنشائياً، بل شرطاً أساسياً لأي تجربة تعليمية حقيقية. فالطفل لا يتعلّم وهو خائف، ولا يفكّر وهو مهدَّد، ولا يبدع في بيئة يشعر فيها أن سلامته الجسدية أو النفسية غير مضمونة.

وهذا الأمان لا يُصنع بجهة واحدة، بل هو منظومة متكاملة تتشارك فيها المدرسة والأسرة والمجتمع، كلٌ من موقعه ودوره.

المدرسة، أو أي مساحة للتعلّم، يجب أن تكون مكاناً آمناً قبل أن تكون مكاناً للتلقين. لكن واقع اليوم يفرض علينا أن نعيد تعريف “الأمان” نفسه، في ظل تداخل الأدوار التربوية، حيث لم يعد تأثير البيت منفصلاً عن المدرسة، ولا ما يحدث خارج أسوارها بعيداً عن الصف. فالمخاطر التي يتعرض لها الأطفال لم تعد دائماً واضحة أو مقصودة، بل بات كثير منها يأتي في شكل “مزاح”، أو “تحديات”، أو “ترندات” عابرة تنتقل بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتصل إلى ساحات المدارس وغرف الصف دون استئذان.

شهدنا في الفترة الأخيرة سلوكيات جسدية خطرة بين الأطفال، مثل الخنق، وحبس النفس، والضغط على الرقبة أو الرأس، إضافة إلى تحديات رقمية معروفة، كـ”تحدي كسر الجمجمة”، وأخرى أحدث تقوم على سكب سوائل ساخنة على الجلد وتحمل الألم كنوع من التحدي. المؤلم أن كثيراً من الأطفال لا يدركون خطورة هذه الممارسات، ويتعاملون معها بوصفها تجربة، أو لعبة، أو وسيلة للانتماء إلى المجموعة. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فهذه السلوكيات لا تعكس خللاً في دور المدرسة بقدر ما تعكس تسارعاً في المؤثرات المحيطة بالطفل، ما يستدعي جهداً مشتركاً لمواكبتها وفهمها قبل أن تتحول إلى خطر فعلي.

نحن لا نستطيع أن نحمي أطفالنا بمجرد المنع، ولا بالتخويف، ولا بالاكتفاء بالعقوبات. ففضول الطفل جزء من نموه الطبيعي، ورغبته في التجربة ليست خطأً بحد ذاتها. الخطر يبدأ حين نترك هذا الفضول بلا توجيه، وبلا تفسير، وبلا لغة حوار تجيب عن أسئلته بدل أن تغلقها. الوعي هو خط الدفاع الأول عن الطفل. وهذا الوعي لا يُبنى في الصف وحده، كما لا يُزرع في البيت وحده، بل يتشكّل عندما تتكامل الرسائل التربوية التي يتلقاها الطفل في المدرستين: المدرسة الأولى، أي الأسرة، والمدرسة النظامية.

من هنا، فإن حماية الأطفال في البيئة التعليمية لا تقتصر على منع السلوكيات الخطرة، بل تمتد إلى بناء وعي الطفل وقدرته على التفكير والتمييز واتخاذ القرار، من خلال تعليمه أسباب خطورة بعض السلوكيات بدلاً من الاكتفاء بمنعها. ويشمل ذلك فتح نقاش صريح معه حول ما يراه على الإنترنت، وما يسمعه من أصدقائه، وما قد يتعرض له من ضغط جماعي، ومنحه الثقة ليطلب المساعدة دون خوف أو خجل.

وفي هذا الإطار، يصبح التعامل مع العنف وضغط الأقران مسؤولية مشتركة؛ فعندما تؤكد الجهات التعليمية أن هذه السلوكيات ستُواجَه بإجراءات تربوية وانضباطية، وقد تُحال في الحالات الجسيمة إلى الجهات المختصة وفق الأنظمة المعتمدة، فإنها ترسل رسالة واضحة بأن سلامة الطفل خط أحمر لا يقبل التهاون. غير أن هذه الرسالة لا تكتمل دون شراكة حقيقية مع الأسرة، ليس من باب تحميلها مسؤولية إضافية، بل من باب تمكينها كشريك أساسي في الوقاية والحماية، حيث تبدأ ثقافة الأمان من البيت عبر الحوار المفتوح مع الأبناء، والمتابعة الواعية لما يتعرضون له عبر الإنترنت، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وترسيخ قناعة راسخة بأن الرفض ليس ضعفاً، وأن السلامة دائماً أولى من التقليد.

ومن المهم التأكيد هنا أن المدرسة، رغم دورها المحوري، لا يمكن أن تقوم بهذه المهمة وحدها، فهذه المسؤولية لا تقع على المدرسة وحدها، ولا على الأسرة وحدها. إنها مسؤولية كل من يُعدّ “حارساً” لطفولة هذا الطفل: المعلم، والمرشد، وولي الأمر، وكل جهة تعمل مع الأطفال أو من أجلهم. حماية الطفل اليوم تتطلب أن نكون مطلعين على ما يعيشه، وعلى ما يجذبه، وعلى ما قد يؤذيه، لا أن نتفاجأ به بعد وقوع الضرر.

ومن موقعنا في مؤسسة سلامة الطفل في الشارقة، ندعو إلى إعادة النظر إلى هذه السلوكيات بوصفها مؤشرات تستدعي التدخّل المبكر، لا حالات فردية عابرة. فكل سلوك مقلق هو رسالة تحتاج إلى قراءة وفهم وتدخّل مدروس من الأسرة والمدرسة معاً. وما نشهده اليوم من تقليد أعمى لتحديات خطرة يؤكد أن حماية الطفل لم تعد مسألة توعوية فقط، بل قضية سياسات استباقية، ورصد مستمر، وتعاون فعّال بين المدرسة والأسرة والجهات المختصة.

نحن نملك من الوعي والأدوات والإرادة ما يكفي لكسر دائرة العنف وضغط الأقران. وعندما تتكامل الجهود، يصبح الأمان واقعاً ملموساً لا شعاراً. أطفالنا يستحقون أسراً واعية، وحواراً مستمراً، ورسائل متسقة لا تتناقض بين البيت والمدرسة. يستحقون مدارس تحميهم قبل أن تُعلّمهم، وبيئة تشعرهم بالقبول، ومستقبلاً يُبنى على الثقة والوعي، لا على الخوف والتقليد الأعمى.

-انتهى-

By Sahar Hamza

أديبة وكاتبة قصص أطفال ومؤلفة كتب متنوعة بحثية ودراسية ذات موضوعات اجتماعية ومؤلفة سلسلة روايات حكايات امرأة صدر للكاتبة سحر حمزة خمسة دواوين شعر منها رسائل للقمر وصباح الخير يا وطن وقصائد للنساء فقط أوتار قلب وصباح الخير يا غزة وفازت روايتها سيدة الليلك كأفضل رواية صدرت عام 2009 حول المرأة ولديها كتب قيد الإصدار منها الرجل العجيب ودفن حيا وعلى أعتاب النهر الخالد

لقد فاتك قراءة